السيد محمد تقي المدرسي

22

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

عن الكتاب ( فضل القرآن على سائر الكلام كفضل اللَّه على خلقه ) « 1 » . بهذه الكلمة الرائعة عبّر قادة الإسلام عن مقام‌القرآن الذي هو محور الأمة ، والمصدر الوحيد لتشريعهم وثقافتهم وصبغة حياتهم . إنه الرسالة التي تهيمن على سائررسالات اللَّه ، وهو حبل اللَّه المتين المتصل بين السماء والأرض . إنه الثقل الأكبر الذي خلَّفه الرسول في أمته ، فقال‌صلى الله عليه وآله وسلم : ( إني تارك فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضّلوا : كتاب اللَّه ، وعترتي أهل بيتي ) « 2 » . ولم يختلف‌المسلمون في عظمة القرآن ، وأنه مصدر النور في حياتهم ، ولكنهم اختلفوا في منهج الاستفادة منه . فمنهم من حدّد المنهج‌في بضع أمور هامشية ، ومنهم من لم يحدد أساساً منهجاً للتعلم منه . وبين الفريقين المتطرفين يمنة ويساراً مذاهب شتى . وتبعاً لذلك اختلفت المذاهب وتناقضت الآراء على أصعدةٍ شتى وبعوامل مختلفة في الثقافة والأدب ، في الفقه‌والتشريع ، في السياسة والاقتصاد . . فإذا كلّ فريق يختار من آيات الذكر ما يتناسب في زعمه مع مذهبه بعد تأويلهاحسب هواه . ولوجود آيات متشابهة في القرآن تسمو على فهم أغلب الناس ، فقد درج أصحاب المذاهب لتأويلهاحسب أفكارهم . . ولقد حذر القرآن الحكيم من ذلك ، وقال : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَاخَرُ مُتَشَابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلآَّ اوْلُواْ الأَلْبَابِ ( آل عمران - 7 ) . ولما اشتدت حاجة المسلمين إلى معرفة أحكام الحوادث المستجدة لتطوّر الحياة ، نشأت مجاميع من المتفقهين فيالدين الذين أخذوا يفسرون آيات القرآن بغير علم ودون أن يميزّوا

--> ( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 89 ، ص 19 . ( 2 ) - المصدر ، ج 2 ، ص 100 .